الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

513

مرآة الحقائق

فضلهم أن جعل اللّه تعالى صوم ستة وثلاثين يوما بمنزلة صوم الدهر ؛ وهو الزمان المطلق الساري في ثلاثمائة وستين ألف ؛ فكانوا كأنهم صاموا من أول الدهر إلى آخره ، وإن لم يبلغ أعمارهم تلك المدة ؛ لأن الفضل إنما هو بالحكم لا بالعمر ، فهذا سر التضعيف في الحديث . ومن لم ينتبه له ؛ جعل الدهر بمعنى السّنة ، وفيه أيضا قوله تعالى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [ الأنعام : 160 ] يستدعي أن يكون صوم كل يوم : أي يوم كان مجزيا بالحسنات العشر فلا يبقى لتخصيص رمضان فائدة ، ثم إن فضل الزمان ليس بذاتي ؛ بل إنما هو لّما وقع فيه من التجلّي الذاتي الساري سره إلى ما قبله وما بعده ؛ لأنه كما أن للتجلي الذاتي أحديته ، فكذا للدهر ؛ لأنه في الحقيقة عبارة عن الآن الغير المنقسم . 24 - في مسلم : « منّ صام رمضان » . : أي شهر رمضان لما ورد في الأثر : « لا تقولوا جاء رمضان ؛ فإن رمضان اسم من أسماء اللّه تعالى » « 1 » ؛ والمراد بصيامه : الإمساك فيه بشروطه الظاهرة والباطنة حتى يكون صوما كما يقتضيه الشريعة ، والطريقة ، فإن الأجر الموعود الآتي لا يترتّب إلا على ذلك . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ثم أتبعه ستا من شوال » ؛ في ثم : إشارة إلى فضل الاتّباع المذكور ، ووجه العدد : إن التجلّي الذاتي الذي وقع لنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة القدر استمر إلى الست من شوال ؛ فكانت الست في حكم شهر رمضان ، فإن ليلة القدر في الحقيقة ، ويوم العيد عبارة عن : الزمان الذي يتشرّف فيه العبد بألطاف اللّه الخفية . فكل ليلة وقع فيها التجلّي الذاتي لباطن العبد فهي ليلة القدر ، ثم الأفضل عند أهل الحقيقة وصل الإمساك بيوم الإفطار الذي هو يوم العيد ، كما يقتضيه أيضا ، ثم إذا حملت على التراخي وتنكير ست فاعرف ؛ ففيه دليل لكل من ينتحي الاستدلال .

--> ( 1 ) رواه البيهقي في الكبرى ( 4 / 201 ) ، والديلمي في الفردوس ( 5 / 52 ) .